مؤسسة آل البيت ( ع )
214
مجلة تراثنا
أدتها على وجهها شكر الله تعالى على ذلك ورغبها في مثلها ، وإن فوتتها طالبها بالقضاء ، وإن أدتها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل ، وإن ارتكبت معصية عاقبها وعذبها ليستوفي منها ما يتدارك به كما يصنع التاجر بشريكه ، وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الدرهم والقيراط حتى لا يغبن في شئ منها ، فأولى أن يتقي غبن النفس ومكرها ، فإنها خداعة مكارة فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما يتكلم به طول نهاره ، وليكلف نفسه في الخلوة ما يتولاه غيره بها في صعيد القيامة على رؤوس الأشهاد ويفضحه ( 27 ) بينهم ، وكما يكره أن يظهر عيبه لأصحابه وجيرانه فيترك النقص لأجلهم فأولى أن يفعل ما يظهر عليه في مشهد تجتمع فيه الأنبياء والرسل والأشقياء والأتباع ( 28 ) من الأولين والآخرين فضلا عن الجيران والمعارف من أهل البلد وغيرهم ، وهكذا يفعل في تفقد حركاته وسكناته بل جميع العمر في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة . وقد نقل ( 29 ) عن بعض الأكابر - وكان محاسبا لنفسه - فحسب يوما وإذا هو ابن ستين سنة ، فحسب أيامها فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم ، فصرخ وقال : يا ويلتي ! ألقى الملك بإحدى وعشرين ألف ذنب ، كيف وفي كل يوم ذنوب ، ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت ، فسمعوا قائلا يقول : يا لها ركضة إلى الفردوس . فهكذا ينبغي المحاسبة على الأنفاس وعلى عمل القلب والجوارح في كل ساعة ، ومن تساهل في حفظ المعاصي فالملكان يحفظان عليه : " أحصاه الله ونسوه " ( 30 ) . واعلم أنك قد عرفت أن التقوى شطران : اكتساب واجتناب ، فالأول
--> ( 27 ) ظاهرا : يفضحها . ( 28 ) كذا . ( 29 ) نقله الغزالي في إحياء علوم الدين 4 / 406 عن توبة بن الصمة . والحكاية منقولة في " سفينة البحار " 1 / 488 - 489 مادة " ذنب " حكاية عن شيخنا البهائي قدس سره . ( 30 ) المجادلة 58 : 6 .